اخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم
 |
اخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم
|
الأخلاق الحميدة صفة لازمة للرسول
لقد بعث الله سبحانه و تعالى نبيه محمد صلى الله عليه و سلم إلى الناس كافة برسالة الإسلام، و أراد عز و جل أن تكون رسالة رسوله صلى الله عليه و سلم خاتمة الرسالات السماوية، فبلغ الرسالة عليه الصلاة و السلام و أدى الأمانة التي عليه و نصح أمته، و أنار لنا الطريق المستقيم، و لا ننسى أن حياة النبي صلى الله عليه و سلم قد شكلت نموذج و أحسن قدوة للأمة؛ فكان عليه الصلا و السلام مثالا يحتذى به في كل ميادين الحياة اليومية، و كانت الأخلاق الرفيعة و القيم العالية هدفا مقصودا لبعثته، مصداقا لقوله صلى الله عليه و سلم:{ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }. و قد برزت أخلاق رسول الله صلى الله عليه و سلم في معاملاته مع العباد؛ فكانت معاملته سببا في إقبال كثير من الناس على رسالة الإسلام، و محبتهم له، فما هي أهم اخلاق رسول الله صلى الله عليه و سلم؟
تعريف الاخلاق الإسلامية
- اولا الاخلاق في اللغة : من الجذر اللغوي هي خلق، و الخاء و اللام و القاف في اللغة، من دلالاته الخلق و هو السجية؛ لأن صاحبها قدر على هذا الخلق العظيم، و يقال: إن فلانا خليق بكذا، أي يقدر فيه ذلك، و من الجدير بالذكر أن ابن منظور يرى أن الخلق هو الدين و الطبع و السجية للعبد، و قد امتدح الله عز و جل نبيه محمد صلى الله عليه و سلم في القرآن الكريم؛ فقال فيه في سورة القلم الآية 4:{ وإنك لعلى خلق عظيم }.
- ثانيا الأخلاق في الاصطلاح: ذهب أهل العلم في تعريفهم الاخلاق حسب وجهة النظر الإسلامية إلى أن لها عدة تعريفات، فقد عرفها بعض الباحثين المعاصرين في الدين بأنها مجموعة من القواعد الناظمة للسلوك الإنساني و أيضا المبادئ التي يحددها الوحي لتنظيم حياة العباد و ترتيب علاقاتهم بغيرهم على شكل يحقق الغاية المرجوة من وجودهم في هذا الكون الذي خلقه الله لنا على أكمل وجه ممكن. و من الجدير بالذكر أنه قد دعت الشريعة الإسلامية إلى ضرورة الالتزام بالاخلاق الحميدة و القيم الرفيعة و التمثل بها و اتخاذ اخلاق رسول الله قدوة، كما حث على حفظها و صيانتها، و تأكيدا على أهميتها فقد نفى الإسلام كمال الإيمان عمن يخالف الامتثال لتلك الأخلاق أويناقضها.
اخلاق و صفات الرسول صلى الله عليه وسلم
إن حصر اخلاق الرسول صلى الله عليه و سلم في مقال واحد أو حتى إذا بلغ ذلك كتابا واحدا أمر في غاية الصعوبة، و لكن سنحاول مع هذه الوقفات العاجلة في رحاب أخلاقه الفياضة بالدروس و العبر أن نبرز أهم أخلاقه عليه اصلاة و السلام :
- أولا كرم الرسول صلى الله عليه و سلم: لقد شكل كرم رسول الله صلى الله عليه و سلم لونا جديدا براقا لم يألفه العرب سابقا أبدا، إذ كان كرمه في سبيل الله و ابتغاء مرضاته سبحانه و تعالى ، و في مؤازرة و نصرة الدعوة الاسلامية، فقد كان صلى الله عليه و سلم يعطي أحوج ما عنده إليه، و ما سئل عن شيء عليه الصلاة و السلام إلا أعطاه بكل سخاء، و كان يستحي أن يرد من يسأله، و يرجعه خالي الوفاض فهذا خلق عظيم في رسولنا صلى الله عليه و سلم، فقد جاءه رجل يسأله المال، فأعطاه عليه الصلاة و اليلام غنما ملأت ما بين جبلين، فعاد الرجل إلى قومه، و قال لهم : { يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة }.
- الصدق الذي يتحلى به الرسول عليه الصلاة و السلام: لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم صادقا سواء مع ربه جل في علاه، و مع نفسه أيضا، و مع الناس كلهم، برهم و فاجرهم، فهو الصادق الأمين سواء في الجاهلية أو الإسلام صلى الله عليه و سلم، و من الجذير الإشارة إلى أنه قد أجمع كل من عرفه و خالطه أنه صادق و أمين منذ صباه، لم يسمعوا منه و لو كذبة واحدة، و لم يشك أحد منهم في خبر سمعه منه، إلا ما كان من جحود قريش و المشركين حينما جاء بنبأ الدعوة و رسالة الإسلام؛ فكذبوه ظلما و عتوا.
- صبر رسول الله صلى الله عليه و سلم: قد كان رسولنا الكريم أصبر الناس على الأذى على الاطلاق، و كان يناله من الأذى ما ينال أصحابه في بداية البعثة في مدينة مكة المكرمة ؛ فكان كل ذلك لا يصده أبدا عن دعوة الحق شيئا صلى الله عليه و سلم، بل يزداد بذلك ثباتا و جلدا و صبرا، فكان يجعل من الصبر درعه المتين، الذي يتحصن به مستذكرا دعوة المولى جل في علاه له بالتزام هذا الخلق العظيم و عدم تركه، مصداقا قول الله سبحانه و تعالى في سورة طه الآية 130:{ فاصبر على ما يقولون } ، و كلما احتشدت و كثرت عليه الخطوب و الكروب و الهموم تسلح بقول المولى سبحانه و تعالى في سورة الآحقاق الآية 35: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل }.
- عدل الرسول صلى الله عليه و سلم: كان عدل رسول الله صلى الله عليه و سلم تربية ربانية إلاهية، و فطرة سوية من الله عز و جل، حيث وسع بعدله القريب و البعيد، و الصديق و العدو، و المؤمن و الكافر، بل و تعدى عدله عليه الصلاة و السلام إلى غير الانسان؛ فدعا إلى حفظ حقوق البهائم و الحيوانات و عدم الاعتداء عليهم و رحمتهم، و في ظلال هذا المنهج العادل الحق عادت الحقوق إلى أصحابها، و علم العباد المسلمين و غير المسلمين ما لهم و ما عليهم، فهو منهج ينصر المظلوم، و يقهر الظالم الغشوم، و لا ننسى أن في دولة الإسلام الأولى ما خاف فقير من فوات حق، و ما طمع غني بمال غيره من الناس سواء فقيرا أو غنيا مثله، و من أعظم ما يذكر في هذا المقام ما ذكرته كتب الصحاح من أمر تلك المرأة من النساء في عهد رسول الله المخزومية التي سرقت، فاهتم قومها لشأنها، فكلموا في أمرها أسامة بن زيد رضي الله عنه و أرضاه لما يعلمون من حظوته و شرف مكانته عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فغضب الرسول صلى الله عليه و سلم و قال:{ أتشفع في حد من حدود الله ، ثم قام فخطب، قال: يا أيها الناس ، إنما ضل من كان قَبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، و إذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمةَ بنت محمد، سرقت لقطع محمد يدها }، و هنا تظهر اخلاق الرسول ومكانة عدله، و كان عليه الصلاة و السلام يحذر المختصمين بين يديه من أن تكون قوة حجته في الكلام سببا في إحقاق باطل، حيث قال:{ إنكم تختصمون إلي، و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها }.
- خلق التواضع لدى الرسول صلى الله عليه و سلم: كان تواضع رسول الله صلى الله عليه و سلم حجة على كل إنسان متكبر، فكان يخفض جناحه للناس سواء الصغير منهم أو الكبير، سواء كان قريبا أو بعيدا ، و يلين جنبه عليه الصلاة و السلام لمن يخالطهم من أصحابه، و كان تواضعه سببا في خدمة أهله و الرفق به، و قد سئلت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها و أرضاها عن فعل رسول الله في بيته، فقالت:{ كان بشرا من البشر: يفلي ثوبه، و يحلب شاته، و يخدم نفسه } ، وكان أبرز ما يظهر من تواضعه مع الضعفاء من الناس و أصحاب الحاجات، فكان الرسول صلى الله عليه و سلم إذا مر على الصبية الصغار سلم عليهم، و لاطفهم بكلمة طيبة و لمسة حانية بل و كان يلعب معهم.
- عفو رسول الله صلى الله عليه و سلم: لقد كان العفو سجية جلية من سجايا رسول الله عليه الصلاة و السلام، و قد كان عفوه دليل أبلج على أن الإسلام لا يحمل الحقد على أحد من الناس، و إنما هو رسالة تحمل العفو و الصفح عمن ظلم أو أساء إليه، و عندما سأله أصحابه أن يدعو على المشركين يوم أحد، قال:{ إني لم أبعث لعانا، و إنما بعثت رحمة }، و عندما جاء يوم فتح مكة، كان رسول الله عليه الصلاة و السلام مستحضرا لما فعله قوم قريش المشركين بالله من أذى، و اضطهاد، و قتل، و اعتداء، و إبعاد للمؤمنين، لكنه غلب جانب العفو و الغفران، و عفا عنهم جميعا.
- الشجاعة التي تحلى بها الرسول صلى الله عليه و سلم: لقد كان الرسول عليه الصلاة و السلام من أشجع الناس بل و أقواهم شجاعة في عصره، و مثلا أعلى في ميادين الشجاعة و قدوة، فقد فرت منه جيوش الأعادي و قادتها في كثير من المواقف، و هذا قول الصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه يصف شجاعة الرسول العظيم بقوله:{ كنا إذا احمر البأس، و لقي القوم القوم، اتقَينا برسول الله صلى الله عليه و سلم، فما يكون منا أحد أدنا من القوم منه } ، غير أن شجاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم و قوته لم تكن يوما في غير موضعها، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و أرضاها: { ما ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا قط بيده، و لا امرأة، و لا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله عز و جل، و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ؛ فينتقم لله عز و جل }.
0 التعليقات